الدكتور أنطوان مسرّة.. بين المجلس الدستوري والعدالة الدستوريّة

المقاربة السائدة لدى القضاة هي تطبيق القانون وتفسيره، والاجتهاد حوله. أمّا العدالة الدستورية فهاجسها فلسفي، معياري، قيمي، وهو تقييم القانون ونقده وما يتخطى غالبًا القانون الوضعي في سبيل تحقيق سمو الدستور

قضى حياته في دهاليز القانون وفلسفته وفي علم الاجتماع دارساً ومعلّماً ومؤلّفاً، متوّجًا مسيرته قاضياً في المجلس الدستوري على مدى عشر سوات، من العام 2009 إلى الـ2019. هو ابن الأشرفية الذي يتمتّع بخبرات في مجالات عدّة، كالحقوق وعلم الاجتماع والصحافة والإدارات العامة والتعليم الثانوي والجامعي والعمل في المجتمع المدني طيلة أكثر من نصف قرن. ومن خلال الإبحار في مسيرته، تُدرك أنه لا يساوم على مبادئ يعتبرها جوهرية ولا تتحمل المساومة…

وفي ما يأتي شهادة شخصيّة من الدكتور أنطوان مسرّة لـ”تقارير لبنانيّة”:

1. ما معنى عدالة دستورية؟ عانيت كثيرًا من عدم إدراك ماهية العدالة الدستورية. ليست العدالة الدستورية استمرارًا للقضاء العادي أو للمحاماة أو للتعليم الجامعي، حتى في أرقى المستويات. لماذا؟ المقاربة السائدة لدى القضاة هي تطبيق القانون وتفسيره، والاجتهاد حوله. أمّا العدالة الدستورية فهاجسها فلسفي، معياري، قيمي، وهو تقييم القانون ونقده وما يتخطى غالبًا القانون الوضعي في سبيل تحقيق سمو الدستور.

تتضمن الدساتير نصوصًا وضعية إجرائية: قواعد فصل السلطات، المهل، أصول الانتخاب… لكن الدساتير تتضمن ايضًا، وبشكل اهم، مقدمة عامة تحمل تراثًا قيميًا ومبادئ وجذور في التاريخ الوطني، وهي تتضمن في لبّ الدستور مبادئ حول الحريات والمساواة والكرامة الإنسانية والتنمية… ما معنى كل هذه التعابير؟ كل المقاربة تتعلق بفلسفة القانون.

في سبيل دراسة مدى انسجام القوانين مع الدستور وسمو الدستور والتقيد بالقيم الحقوقية والإنسانية الواردة في الدستور، يتوجب من القاضي الدستوري ان يكون من كبار الفقهاء وكبار الحقوقيين وكبار الفلاسفة وكبار المؤلفين والباحثين…! ويتوجب بشكل خاص ان يكون متواضعًا، متواضعًا، متواضعًا…!

اتُهمت في البداية بأنني أمارس “التنظير، وأنني لست قانونيًا بالمعنى التقليدي، بالرغم من أنني أحمل شهادات في الحقوق وغيرها وعملت في المجتمع المدني طيلة أكثر من نصف قرن في مجال “مرصد الديمقراطية في لبنان”، بالتعاون مع مؤسسة جوزف ولور مغيزل والاتحاد الأوروبي، وانشأت مراصد عدّة حول التشريع والقضاء وتطبيق القوانين…

2. العدالة الدستورية هي علم جديد: الخبراء الكبار في العدالة الدستورية اليوم في العالم معدودين. تعلمت الكثير. عندي شغف في القراءة، وتحديدًا قراءة الكتب الحديثة منذ صغري. لكن في خبرتي في المجلس الدستوري أدركت بعمق أهمية التواضع في المعرفة، واهمية التعلم الدائم واليومي. قرأت الكثير الكثير من الاجتهادات الدستورية العالمية. وتابعت أحدث المستجدات. لماذا؟ لأنّ ما يطرح على العدالة الدستورية مواضيع جديدة، نابعة من مستجدات وتطورات حول الحريات والمساواة امام الأعباء العامة، والبيئة والعائلة والتجارة…! كل ذلك يُسمى اليوم “الكتلة الدستورية” التي لا تختزل بقانون الموجبات والعقود ولا بقانون العقوبات ولا بقانون التجارة… العدالة الدستورية تنظر في فلسفة القانون لتضع مبادئ ومعايير وبوصلة. نعم فلسفة حسب “روح التشريع”، كما يقول مونتسكيو في كتابه سنة 1748.

عانيت وعانيت وعانيت…! تحملت بصبر في بداية المسار من نظرة دونية من قضاة كبار (ولا أعنى بالضرورة زملائي في المجلس). تحملت النظرة الدونية بتواضع! أكثر العاملين في القانون اليوم هم قانونيين وليس حقوقيين! المجلس الدستوري الأول يتمتع بصفات مميزة ولا اريد التكلم عن المجالس الأخرى.

3. ما تعلمته حول روح الشرائع: أدركت في خبرتي من هم أساتذتي في كلية الحقوق الذين بالفعل علموّني بعمق ما معنى حق وحقوق. اذكر منهم في جامعة القديس يوسف، في الاجازة والدراسات العليا، بيار غناجه وPierre Catala وبشكل خاص Philippe Ardant. نلت ميدالية في القانون الإداري من جامعة ليون Lyon. الأستاذ Ardant Philippe ظل يذكر اسمي بعد أكثر من أربعين سنة. أدركت أهمية متابعتي اختصاصات أخرى ولدرجة الدكتوراه في علم الاجتماع وايضًا في العلوم السياسية والادب وعلم النفس…

4. كيف “بهدلنا” القانون في لبنان! لدى كل طعن وكل نقاش وكل سجال في المجال العام…، كنت أدرك الى أي مدى في لبنان “بهدلنا” القانون! بهدلناه في تحويله الى مجرد أداة للتبرير، ولإصدار قوانين على قياس اشخاص، واعتماد تخمة قوانين لإيهام الناس بالتنظيم، واستغلال رمزية القانون لإيهام الناس بالإصلاح… يقول مثل فرنسي: يجب الخروج من القانون للدخول في الحق!

ما أصدره المجلس الدستوري السابق طيلة سنوات 2009-2019، وما أصدره المجلس في كتابه السنوي (9 أجزاء طيلة 9 سنوات!) يشكل تأسيسًا ومرتكزًا وقاعدة للعدالة الدستورية في لبنان وعربيًا وعالميًا. بفضل مقاربتنا الشمولية المعيارية الحقوقية لروح الشرائع والدستور اللبناني الذي ينتهك يوميًا في الممارسة.

5. ضغوط، تأثير، انتماءات؟ نبالغ في نقد الطبقة السياسية في لبنان! اللبناني، بعد سنوات من الحروب المتعددة الجنسيات والوصايات والاحتلال…، بحاجة الى إعادة تأهيل!

تعلمت وتعلمت وعانيت من تراجع الضمير! أتكلم عن ذاتي، وليس عن غيري أو زملائي. أين الضمير؟ يوجد ضمائر في حالة غيبوبة، وضمائر مدجنّة، وضمائر مُستعدة لتدوير الزوايا. خلال مؤتمر حين تحدثت عن استقلالية القاضي والضمير، كان جواب أحدهم: لا يمكن ان نتخذ الضمير معيارًا! أليس الضمير هو المعيار؟ هو الميزان؟

مرات عديدة خالفت القرارات، ليس للتمايز، ولم أسعى في كل حياتي للتمايز بمعنى الوجاهة. كل مخالفاتي لبعض القرارات كانت ثمرة جهد وتدقيق وبحث وليس مجرد تسجيل: “مخالف”! وثمرة دراسة ومعاناة… أنا مصاب بصدمة نفسية بمعنى علم النفس العيادي psychanalyse. أسعى بجهد للشفاء! أنا من المنظّرين حول التسوية compromis التي يقول عنها George Simmel إنّها “أهم اختراع للفكر البشري“. لكنني لا أمارس المساومة compromission على مبادئ أعتبرها جوهرية ولا تتحمل المساومة. لا أدوّر الزوايا في شؤون أساسية…! لا أقول إنني على حق، بل هذا ما يمليه ضميري.

6. الميثاق والدستور اللبناني روعة في المخيلة الدستورية على المستوى العالمي: النظام البرلماني التعددي في لبنان، وهذه تسميته علميًا، عالج في النص أصعب الأمور المطروحة في تلك الأنظمة، بخاصة في ما يتعلق بدور رئيس الجمهورية (المادة 49)، والأكثرية الموصوفة في 14 قضية تجنبًا لطغيان أكثرية وتجنبًا لطغيان أقلية abus de majorité/abus de minorité (المادة 65)… اما التطبيق فهو من الأسوأ عالميًا ولا علاقة له بتاتًا بالنص. “بهدلنا” القانون في لبنان! “بهدلنا” الوفاق، “بهدلنا” المشاركة، “بهدلنا” القيم التأسيسية للبنان…!

7. التمايز بين 2009 واليوم: انتخبت عضوًا في المجلس الدستوري في كانون الأول 2009 وبين أكثر من تسعين مرشحًا، من دون أن أتّصل بأي جهة. إنتخبتني جهات نيابية تعرفني من خلال أعمالي وكتاباتي وهي جهات معروفة بحرصها على الاختصاص والديمقراطية ولبنان الرسالة…

حقّق المجلس الدستوري خلال سنوات 2009-2019، بفضل رئيسه واعضائه، مستوى من الإنجاز المؤسسي والنوعي يصعب الارتقاء اليه.

في ما يتعلق بي، ما كتبته في الكتاب السنوي وعرضته في مؤتمرات لبنانية وعربية ودولية يوازي حوالي ألفي صفحة تأسيسيًا للعدالة الدستورية.

8. وجاهة وامتياز أو جهد مستمر! يمكن في المجلس الدستوري ألاّ تفعل شيئًا، وأن توقع فقط في زيل القرار وأن تتقاضى تعويضًا في آخر الشهر! يقول البعض: لم يتم تقديم أي طعن! لكن هل الجيش وقوى الأمن والإطفاء… لا يفعلون شيئًا إلا عندما تنشب حربً، أو تحصل سرقة، أو يحصل حريق؟ العمل يومي ومستمر في المجلس الدستوري. يتطلب ذلك نوعية عالية جدًا من الأعضاء وإدراك للمسؤولية. أترك لغيري تقييم ما قامت وتقوم به المجالس الدستورية الأخرى.